حسن ابراهيم حسن

433

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

وقد انتقل كثير من التراث اليوناني والفارسي الذي استحوذ عليه العباسيون إلى قرطبة بفضل جهود عبد الرحمن الأوسط . وبذل عبد الرحمن الناصر جهودا متصلة في توجيه الدراسة الأندلسية في ميدان العلوم والطب ، وضمت مكتبة الحكم الثاني في قصره بقرطبة بين خزائنها أربعمائة ألف مجلد . وكانت هناك طائفة من الباحثين والسماسرة والناسخين تعمل لحساب هذا الخليفة وتبحث عن المؤلفات التي يستطيعون العثور عليها في جميع أنحاء العالم الإسلامي ، ويعمل عدد كبير من الناسخين والمجلدين والمزخرفين في إنماء هذه المكتبة الفخمة وتجميلها . « 1 » وكذلك قلد أشراف قرطبة ووجهاؤها الخليفة الأموي في الأندلس وأخذوا في تكوين مكتبات خاصة . ومن هذه المكتبات مكتبة المنصور بن أبي عامر الحاجب التي زخرت بكثير من الكتب النفيسة . ولكن كثيرا من مجلدات هذه المكتبة قد تعرض للحريق على يد المنصور بن أبي عامر نفسه . فقد أراد بعمله هذا أن يحول دون تفاقم سخط رجال الدين الذين عرفوا بكراهيتهم للفلسفة ، فأمر بإحراق كتبها في ميادين قرطبة ، وأحرق بعضها بيده ، فسمى حامى الإسلام . كما أمر المنصور الحاجب بإحراق جميع الكتب الخاصة بالكتب القديمة . وليس من شك في أنه كان يقصد بهذا العمل إرضاء فقهاء المالكية السلفيين الذين كانوا يكرهون الفلسفة ويعتبرونها خطرا يهدد مذهبهم السلفي . وقد ظل نفوذ المالكية قويا وبغضهم للفلسفة شديدا حتى عهد المرابطين بالمغرب . فقد حملوا السلطان علي بن يوسف بن تاشفين على إحراق كتاب « إحياء علوم الدين » للإمام أبى حامد الغزالي زعما منهم أنه من صميم الفلسفة وأنه خطر على الدين . وبذلك أمر السلطان علي بن يوسف بإحراق هذا الكتاب بالأندلس والمغرب . وكان هذا العمل السئ من العوامل الأساسية التي تدرع بها المهدى بن تومرت صاحب دولة الموحدين في حرب الدولة المرابطية ورميها بالجمود ثم بالتجسم في التوحيد لسيرها على مذهب السلف الصالح الذي لا يؤول الآيات القرآنية . وإن دل هذا على شئ فإنما يدل على قوة نفوذ علماء المالكية وتحكمهم في المجال السياسي في ذلك العصر الذي كان الدين فيه شأن كبير ، ليس في العالم الإسلامي فحسب ، بل في العالم أجمع ، ولا سيما في أوروبا التي كان علماء المسيحية فيها يبيعون صكوك الغفران .

--> ( 1 ) بروفنسال : الشرق الإسلامي والحضارة العربية - منشورات الجنرال فرانكوا للأبحاث العربية الإسبانية ( تطوان 1951 ) ص 18 - 19 .